الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
393
أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة (كتاب النكاح)
وقال تعالى : اتَّخَذُوا أحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أرْبَابَاً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا امِرُوا إلّالِيَعْبُدُوا إلهاً وَاحِداً لَاإلهَ إلّاهُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ « 1 » . فقد أطلق الشرك عليهم في هاتين الآيتين إمّا بالتصريح ، أو بالملازمة . هذا مضافاً إلى أنّ قوله : حَتَّى يُؤْمِنَّ دليل على أنّ الغاية هي الإيمان باللَّه ورسوله ؛ أي الإسلام ، فما لم تحصل لا يجوز النكاح . ومضافاً إلى أنّ التعليل أو شبه التعليل الوارد في ذيل الآية الشريفة : اولئِكَ يَدْعُونَ إلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إلَى الْجَنَّةِ شامل لجميع أصنافهم . ولكن أجيب عن هذا الاستدلال بالنسبة إلى الكتابية : بأنّ المشرك لا يشمل الكتابي ؛ لوقوع المقابلة بينهما في الكتاب العزيز مراراً ؛ فقد قال اللَّه تعالى : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ « 2 » . وقال تعالى : مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ « 3 » ، فقد جعل في هذه الآيات المشركون في مقابل أهل الكتاب . هذا مضافاً إلى قوله تعالى في سورة المائدة : الْيَوْمَ احِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ اوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالُمحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالُمحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ اوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ « 4 » . فإنّها تدلّ على جواز نكاح أهل الكتاب مطلقاً ، وبها يخصّص عموم آية النهي عن نكاح المشركات ؛ لو فرض شمولها لأهل الكتاب . وقد وقع الكلام في أنّ آية المائدة ناسخة ، أو مخصّصة لآية البقرة ، أو الأمر بالعكس ؛ أي أنّ آية البقرة ناسخة لآية المائدة ، كما ورد في بعض روايات الباب ؟
--> ( 1 ) . التوبة ( 9 ) : 31 . ( 2 ) . البيّنة ( 98 ) : 1 . ( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 105 . ( 4 ) . المائدة ( 5 ) : 5 .